الهم .. والموت .. هما قاهرا الإنسان ، صغيراً كان أو كبيراً ، غنياً أو فقيراً ، حاكماً أو محكوماً ..
هي سنة الله - عز وجل - الجارية على خليقته منذ أن أذن لها بالوجود بـ (كن .. فيكون ) ،
ولعل الهمَّ ربما يكون أشد مرارة إن طال أمده ، وزادت مدته ، فهو الجالب للغم ، والآتي بالسقم ،
وهو قيد الإنسان الذي لا يجد مفراً منه إلا بتثبيت من الله عز وجل ، وصبر وإيمان واحتساب ،
فمن يقدر أن يتحمل الهموم العظام إلا من تحلى بالإيمان بالواحد الأحد ،
فالإيمان هو أفضل العلاج لهذه الهموم مهما تثاقلت ،أو أكلت من الإنسان صحته وعافيته وعمره ،
فعلاج ذلك كله مرتبط بتلك الحلاوة التي يجدها المؤمن في صبره واحتسابه لله عز وجل ،
مقراً في يقين نفسه أنما الابتلاءات لا تكون إلا لمن أحبهم الله تعالى من عباده ، واصطفاهم لذلك ، فيخفف بها ذنوبهم ،
ويرفع بها درجاتهم ، ويعلي بها من شأنهم ، فمن أدى ذلك الصبر والاحتساب حاز خيري الدنيا والآخرة .
ولعلنا لو استعرضنا ما جرى في الأيام الماضية ، أدركنا أن المصائب حينما تقع على الإنسان ،
تكون بحد ذاتها اختباراً لقوة إيمانه , ورباطة جأشه ، ويقينه بربه ، فهي القاهرة لمن فقد ذلك الإيمان ،
وهي القاضية عليه لمن لم ينل ذلك الاحستاب ،
ولعلنا لمسنا ذلك جلياً وقد فجعنا برحيل سلطان الخير ،
فعلى الرغم من مرارة فقدانه ، من الكبير والصغير ، الغني والفقير ، إلا أن المرارة الحقيقية لمستها في وجه ذلك الملك ،
الذي أتى متوكاً على عصاه ، مودعاً أخاه ، الذي كان له عضداً ،
ولملكه وحكمه سنداً ، أتى ذلك الملك وهو مثقل بالمرض ، مثقل بهموم رعيته ، مثقل بحماية دولته ،
مثقل بأمانة حُملت على عاتقه مذ شاء الله له أن يكون ملكاً على البلاد ،
بل وقل مذ أراد الله له أن يحمل مسؤولية هذا الوطن ،
وأمانة حكمه ، أتى وهو يحمل كل هذه الهموم ليضيف إليها هماً جديداً ،
وهو فقدان الأخ ، وولي العهد ، والسند المآزر ،
راح ينظر إليه والدموع اغرورقت في عينيه ، والألم يقض مضجعه ، والأنين يزيد في قلبه ،
ووجهه الشاحب الحزين ترى فيه كل أنواع الحزن والألم ،
ألم أقل لكم في استهلال مقالي .. إن الهم والموت هما قاهرا الإنسان ..!!
وأيّما إنسان .. إنه عبد الله بن عبد العزيز ، الذي أراد الله له أن يكون قائداً لهذه الأمة ،
منذ عشرات السنين وهو مثقل بهموم مواطنيه ،
فمنذ أن كان ولياً للعهد ، ومجلسه الأسبوعي لا يخلوا من شكوى من هاهنا وطلب من هاهناك ،
كان عضداً لأخيه الراحل خادم البيتين فهد - يرحمه الله تعالى - يشد من أزره ، ويأخذ بيده إلى حماية دولته ،
وصيانة شريعته ، وقضاء حاجات رعيته ، وعندما أثقله المرض وألم به ،
ظل بجواره متحملاً حمل الملك وأمانة السلطان ، حتى رحل الفهد وهو راضٍ عنه ،
ذرفت دمعته على أخيه وملكه ، وتولى زمام الحكم ، ليضيف إلى مسؤولياته حملاً ثقيلاً ،
امتطى الإخلاص والشعور بعظم الأمانة ، تتلمس ذلك في زيارته للبيت الحرام
وهو يدعو ربه أن يعينه ويثبته على تحمل هذه الأمانة ، ليؤديها بالإخلاص ، والعدل بين رعيته ، تكالبت الهموم عليه ،
فتراه ماذا يفعل لكي يسعد شعبه ، وماذا يفعل لكي يحمي أرضه ، وماذا يفعل لكي يرفع من شأن أمته ،
المتآمرون تتفجر قلوبهم غيظاً على دولته التي حباها الله تعالى ما قد حباها ،
راحوا يتآمرون عليه ، فهذا متهور يريد اغتياله ، وذلك معتدٍ يريد استحلال أرضه ،
وآخر يحيك المؤامرات لكي يفجر الصراعات في دولته ويقضي على أمنها وأمانها ،
وهذا وذاك وغيرهم ، كل طامع حاقد ، ولكنه برغم ذلك كله ، ظل الفارس الذي لا يشق له غبار ،
راح وهو مشهر سيفه متخطياً كل الصعاب ، فتولى زمام دولة أثقلتها الديون ، وتكالبت عليها الصراعات ،
فعلم الله تعالى صدق نيته ، ونقاء سريرته ، ومدى إخلاصه ، وقوة إيمانه ، ففتح له أبواب الخير من كل حدب وصوب ،
فراح يتخذ القرارات ، ويقيم المشاريع ، ويؤسس المدن ، ويعتمد المخططات ، متطلعاً إلى غد مشرق ،
ينظر بأعين ثاقبة نحو الغد البعيد ، ليصون للأجيال القادمة وطنهم ، ويؤسس لدولة راقية متطورة ، فتية متعلمة ،
بشعب واعٍ ، ورجال شجعان ، ونساء قويات ، وشباب وفتيات جعلهم نصب عينه ، فوضع الأمل بعد المولى بهم ،
وراح ينشرهم في أصقاع الأرض ليجلبوا مختلف العلوم ، فتسعد بهم بلادهم ، وتقر الأعين بهم ، بيد أن الله عز وجل
وقد علم من عبد الله بن عبد العزيز ما قد علم ، مما ذكرناه من صدق النية والإخلاص ، أراد أن يبتليه ويمحصه ،
فما يأتي البلاء للمؤمن إلا من قوة إيمانه ، ولا يمحص الله الصابر إلا لقوة صبره ، فجاء المرض الذي آلمه ،
فما وجد فيه إلا رجلاً صابراً ، خلوقاً كريماً ، ووجد من ورائه شعب يحن عليه ويدعوا له ليل نهار ،
شعب يخاف عليه من الهواء الخفيف إذا لفحه ، فكيف إذا قال هذا يؤلمني ..!!
شعب وجد قائده في أصعب ظروف مرضه ممازحاً لهم ، مستسمحاً إياهم عدم مقدرته على الوقوف للسلام عليهم ،
مرض أراد أن يثقل ظهر أبي متعب ، فلما أقبل عليه إذا به يجد ظهره مثقل بهموم رعيته وأمته ،
كل ذلك تخطاه أبو متعب بكل شجاعة وقوة وتماسك ،
وعندما أجرى العملية الثانية ، وجد من حوله أخوته ومن خلفهم شعبه ،
نظراته إليهم وهم يتحمدون له سلامة العافية فيها من الشكر لهم ولشعبه على مشاعرهم ،
بيد أن تلك النظرات التي تتطلع يمنىً ويسرىً كانت تنتظر أخاً وعضداً ليأتي إليه ويشد من أزره
كما عهده في كل السنين التي عاشاها معاً في سدة مسؤوليات الدولة منذ عهد المؤسس الأول ،
تلك النظرات كانت تنتظر تلك الابتسامة الجميلة التي ما كانت تفارق سلطان بن عبد العزيز ،
فكل من يراها كان يشعر بالأمان والراحة والسكينة ، فكيف حينما يراها أبو متعب
وهو بالنسبة له الأخ والسند والصديق والحبيب ،
ودع المليك زائريه من إخوته ووزرائه ، ولعله ظل ينتظر مجيء الأخ الغالي عليه ، ولكن الله أراد أمراً لا يُرد ،
فإذن لروح أبي خالد أن ترتقي إلى عليين ، رحل سلطان الخير ، فكانت تلك الفاجعة التي ألمت بوطن وشعب وأمة ،
ولكنها لم تكن قاسية على أحد كما كانت قاسية على أبي متعب ، برغم مرضه وألمه ،
جاء متوكاً يسابق الخطى وهو يرى جثمان أخيه الراحل - يرحمه الله تعالى - وقد انتظره لكي يواسيه في مرضه ،
فإذا به يجد من حوله يواسيه على فراقه ، مصائب لو نزلت على جبل لرأيته دكاً من عظمها وقوتها ،
ولكنها أقدار الرجال ، وامتحان الإيمان ، وابتلاء الرحمن ، ليختبر تجلد المؤمنين ، وليرفع درجات المحسنين ..
فلله درك يا أبا متعب ..!!
إن الموقف لمهيب ، وإن المصاب لجلل ، وإن القلب ليتفطر حزناً تارة على رحيل الجواد ،
وتارة على أبي متعب الذي مهما بلغنا من فصاحة اللسان ، وقوة التبيان ما استطعنا أن نصف ذلك الشعور
الذي لمسناه ورأيناه على وجه وجسد المليك ، لأن الموقف لا يوصف ، بل نشعر به في الأحاسيس الإنسانية ،
والمشاعر الوجدانية ، فأنى لنا بعد ذلك أن نجود بخطاب ، أو نرسل بليغ الكتاب ، وقد تعدى الأمر حد الوصف،
فلو بلغ من الإنسان خياله مداه ، ليسرد من ذلك قصة حزينة ، لما استطاع أن ينسجها
كما جاءت في واقع حياة عبد الله بن عبد العزيز ،
ولكننا لا نملك إلا قولاً واحداً : " إنا لله وإنا إليه راجعون " .
سُئِل أحد الصالحين قديماً : إذا علمت أن لك دعوة مستجابة ، فلمن تجعلها ؟ ، أجاب : أجعلها لولي الأمر ،
ففي صلاحهِ صلاح الرعية ، واستقامة العدل ، فينبغي علينا أن نكثر من الدعاء لهذا الرجل أن يحفظه الله ،
ويؤيده الله ، وينصره الله ، ويشفيه الله ، ويرفع ما به من بلاء ، وأن يلهمه الصبر ،
وأن يأخذ بناصيته إلى البر والتقوى والخير ، وأن يرحم أخاه ، ويسكنه الجنان ،
ويجزيه عما قدم للإسلام والمسلمين والإنسانية خير الجزاء ،
وأن يوفق ولي عهده نايف بن عبد العزيز ، ليشد من أزره ، ويأخذ بيده إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد ،
وأن يجعله خير خلف لخير سلف ، وأن يحفظ هذه الدولة وشعبها ويحميها من كل سوء ومكروه .
وسلاماً عليك أبا متعب أينما حللت ، وطوبى لك أينما نزلت ، ووداعاً يا سلطان الخير ،
ورحمة الله على روحك في عليين ،
وليغفر الله لنا أجمعين ..
حلمي القرشي
28-10-2011
..

كلمات موقرة وراقية ذات رفعة
ردحذفلك اﻹجلال واﻹحترام
تسطر بقلمك ماينال اﻹعجاب
تحيتي للك ولقلمك